عشبة أنجليكا الصينية (دانغ غوي): صحة المرأة والدورة الدموية

تُعرف نبتة أنجليكا الصينية (Angelica sinensis) بلقب “الجينسنغ الأنثوي”، وقد تربعت على عرش الطب الصيني التقليدي لأكثر من ألفي عام كنبات أساسي لصحة المرأة. ذُكرت في كتاب “شينونغ بن تساو جينغ” (Shennong Bencao Jing) في الفترة ما بين عامي 200 و300 ميلادي، ولا تزال من أكثر النباتات التي يصفها ممارسو الطب الصيني، سواء في آسيا أو الغرب. ولكن ماذا يقول البحث العلمي الحديث حقًا عن هذا الجذر المُقدّس؟

المركبات الفعّالة التي حددها العلم

يكشف التحليل الكيميائي لجذر أنجليكا الصينية عن تركيبة كيميائية نباتية معقدة بشكل ملحوظ. وقد حدد الباحثون أكثر من سبعين مركبًا مختلفًا، مصنفة ضمن ثلاث فئات رئيسية. تُشكل الفثاليدات المجموعة السائدة، حيث يُعد مركب Z-ligustilide المركب الرئيسي، إذ يُمثل من 61 إلى 69% من الزيت العطري. ووفقًا للدراسات، يُمثل هذا الجزيء ما بين 1.26 و37.7 ملليغرام لكل غرام من الجذر المجفف.

أما الأحماض العضوية فتُشكل الفئة الثانية، ويُعد حمض الفيروليك أكثرها وفرةً ودراسةً. يُستخدم هذا المركب أيضًا كمؤشر جودة لتقييم أصالة وتركيز مستحضرات نبات حشيشة الملاك الصينية. وأخيرًا، تُكمل السكريات المتعددة، التي تم تحديد ستة وثلاثين منها حتى الآن، هذا التركيب الجزيئي وتُساهم في التأثيرات المناعية للنبات.

قارنت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٤ في مجلة “فرونتيرز إن فارماكولوجي” درجات تجارية مختلفة من حشيشة الملاك الصينية. وأظهر الباحثون أن المنتج من الدرجة الثالثة يحتوي على أعلى تركيزات من حمض الفيروليك، والليغوستيليد، والسنكيونوليد الأول، واليوريدين، والجوانين، وهو ما يرتبط ارتباطًا مباشرًا بأعلى فعالية مضادة لتكدس الصفائح الدموية.

التأثيرات على الدورة الدموية: أدلة تجريبية

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على خصائص نبات أنجليكا الصيني المتعلقة بالدورة الدموية نتائجَ واعدةً في الدراسات قبل السريرية. فقد أظهرت دراسةٌ أُجريت على نموذج حيواني صيني أن إعطاء 20 غرامًا لكل كيلوغرام من نبات دانغ غوي قلّل من تجمّع الصفائح الدموية المُحفَّز بالأدينوزين ثنائي الفوسفات بنسبة 87.9%، ومن تجمّعها المُحفَّز بالكولاجين بنسبة 33%. تُشير هذه النسب المرتفعة إلى فعاليةٍ كبيرةٍ كمضادٍّ للتخثر. ويُظهر مركب ليغوستيليد Z المعزول تأثيراتٍ أكثر تحديدًا. ففي نموذجٍ حيوانيٍّ للفئران المصابة بتحويلةٍ شريانيةٍ وريدية، أدّى تناول 10 ملليغرامات لكل كيلوغرام من ليغوستيليد عن طريق الفم إلى تقليل وزن الخثرة من 46.4 ملليغرامًا (في المجموعة الضابطة) إلى 19.5 ملليغرامًا. وعند جرعة 40 ملليغرامًا لكل كيلوغرام، انخفض هذا الوزن إلى 13.6 ملليغرامًا. وانخفض الحد الأقصى لتجمّع الصفائح الدموية من 44.6% في المجموعة الضابطة إلى 6.8% و2% فقط على التوالي.

ويعمل حمض الفيروليك عبر آليةٍ مُكمِّلة. أظهرت الأبحاث التي أُجريت على الأرانب التي تغذت على نظام غذائي غني بالدهون أن هذا المركب يزيد من إنتاج أكسيد النيتريك في الخلايا البطانية، مما يثبط تراكم الصفائح الدموية، وتكاثر خلايا العضلات الملساء، والتصاق الكريات البيضاء بالبطانة. وتساهم هذه التأثيرات الثلاثة مجتمعة في الوقاية من تصلب الشرايين.

تأثير موثق على الدورة الدموية الدقيقة

يتعلق اكتشاف مثير للاهتمام بتحسين الدورة الدموية الدقيقة. فقد قام الباحثون بإعطاء الأرانب ديكستران T500 لتحفيز انقباض الشعيرات الدموية في النسيج الضام، ثم عالجوا الحيوانات بـ Z-ligustilide. وتُظهر النتائج أن هذا المركب يُسرّع من استعادة قطر الشعيرات الدموية والأوردة، ويزيد من عدد الشعيرات الدموية المفتوحة، ويُحسّن تدفق الدم.

من المرجح أن هذه التأثيرات على الدورة الدموية الدقيقة تفسر بعض الفوائد المنسوبة تقليديًا إلى نبات أنجليكا الصيني في الطب الصيني لتغذية الدم. فتحسين تروية الأنسجة يعني تحسين وصول الأكسجين وتغذية الخلايا، وهو أمر بالغ الأهمية للأنسجة الحساسة كالرحم.

التأثيرات الدموية: إثراء الدم

استكشفت دراسة نُشرت عام ٢٠٢٤ في مجلة “فرونتيرز إن فارماكولوجي” تأثيرات عديدات السكاريد المستخلصة من نبات أنجليكا الصيني على تكوين خلايا الدم. أنشأ الباحثون نموذجًا لنقص الدم في الفئران باستخدام أسيتيل فينيل هيدرازين وسيكلوفوسفاميد. أدى إعطاء عديدات السكاريد المستخلصة من نبات أنجليكا سينينسيس إلى زيادة ملحوظة في مستويات الإريثروبويتين وعامل تحفيز مستعمرات المحببات والإنترلوكين-٣ في مصل الدم، مع تقليل عامل نخر الورم ألفا.

تدعم هذه النتائج علميًا الاستخدام التقليدي لنبات دانغ غوي كمنشط للدم. تحفز عديدات السكاريد إنتاج خلايا الدم بشكل مباشر وتعدل البيئة الالتهابية التي قد تثبط تكوين الدم.

ماذا تقول الدراسات السريرية على النساء؟


هنا، تصبح النتائج أكثر دقة، وأحيانًا مخيبة للآمال. أُجريت أكثر الدراسات السريرية صرامة، ونُشرت عام ١٩٩٧ في مجلة “الخصوبة والعقم”، حيث قيّمت ٧١ امرأة في سن اليأس على مدار ٢٤ أسبوعًا. قاس الباحثون سُمك بطانة الرحم، ومؤشر نضج المهبل، وأعراض انقطاع الطمث. وكانت النتيجة: عدم وجود فرق ذي دلالة إحصائية بين مجموعة دانغ غوي ومجموعة الدواء الوهمي فيما يتعلق بالهبات الساخنة أو غيرها من المعايير المقاسة.

Comments

No comments yet. Why don’t you start the discussion?

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *